الشنقيطي

360

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أي طالبه . قوله تعالى : إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 ) [ 73 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن فرعون لعنة اللّه لما قال للسحرة ما قال لما آمنوا ، قالوا له : إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ أي ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر . وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى في « الشعراء » عنهم : إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) [ الشعراء : 50 - 51 ] ، وقوله عنهم في « الأعراف » : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) [ الأعراف : 126 ] . وفي آية « طه » هذه سؤال معروف ، وهو أن يقال : قولهم وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ يدل على أنهم أكرههم عليه ، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين ، كقوله في « طه » : فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) [ طه : 62 - 64 ] . فقولهم : فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا صريح في أنهم غير مكرهين . وكذلك قوله عنهم في « الشعراء » : قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) [ الشعراء : 41 - 42 ] ، وقوله في « الأعراف » : قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 114 ) [ الأعراف : 113 - 114 ] فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة : ( منها ) - أنهم أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم ، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين ، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر ، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر ، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض ، ويدل لهذا قوله : وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) [ الشعراء : 36 ] ، وقوله : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) [ الأعراف : 111 ] . ( ومنها ) - أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم ، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر . ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين . ( ومنها ) - أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائما : ففعل فوجدوه قرب عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر الساحر ! لأن الساحر إذا نام بطل سحره ؛ فأبى ألا أن يعارض ، وألزمهم